الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
74
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أن الحكم الذي يأتي بعده معلل بمجموعها . واسم الجلالة بيان لاسم الإشارة لزيادة الإيضاح تعريضا بقوة خطئهم وضلالهم في الإلهية . و رَبُّكُمُ خبر . الْحَقُّ صفة له . وتقدم الوصف بالحق آنفا في الآية مثل هذه . والفاء في قوله : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ تفريع للاستفهام الإنكاري على الاستنتاج الواقع بعد الدليل ، فهو تفريع على تفريع وتفريع بعد تفريع . و فَما ذا مركّب من ( ما ) الاستفهامية و ( ذا ) الذي هو اسم إشارة . وهو يقع بعد ( ما ) الاستفهامية كثيرا . وأحسن الوجوه أنه بعد الاستفهام مزيد لمجرد التأكيد . ويعبر عن زيادته بأنه ملغى تجنبا من إلزام أن يكون الاسم مزيدا كما هنا . وقد يفيد معنى الموصولية كما تقدم في قوله تعالى : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا في سورة البقرة [ 26 ] . وانظر ما يأتي عند قوله : ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ في هذه السورة [ 50 ] . والاستفهام هنا إنكاري في معنى النفي ، ولذلك وقع بعده الاستثناء في قوله : إِلَّا الضَّلالُ . و بَعْدَ هنا مستعملة في معنى ( غير ) باعتبار أن المغاير يحصل إثر مغايره وعند انتفائه . فالمعنى : ما الذي يكون إثر انتفاء الحق . ولما كان الاستفهام ليس على حقيقته لأنه لا تردد في المستفهم عنه تعيّن أنه إنكار وإبطال فلذا وقع الاستثناء منه بقوله : إِلَّا الضَّلالُ . فالمعنى لا يكون إثر انتفاء الحق إلا الضلال إذ لا واسطة بينهما . فلما كان اللّه هو الرب الحق تعين أن غيره مما نسبت إليه الإلهية باطل . وعبر عن الباطل بالضلال لأن الضلال أشنع أنواع الباطل . والفاء في فَأَنَّى تُصْرَفُونَ للتفريع أيضا ، أي لتفريع التصريح بالتوبيخ على الإنكار والإبطال . و فَأَنَّى استفهام عن المكان ، أي إلى مكان تصرفكم عقولكم . وهو مكان اعتباري ، أي أنكم في ضلال وعماية كمن ضل عن الطّريق ولا يجد إلا من ينعت له طريقا غير موصولة فهو يصرف من ضلال إلى ضلال . قال ابن عطية : وعبارة القرآن في سوق هذه المعاني تفوق كل تفسير براعة وإيجازا ووضوحا . وقد اشتملت هذه الآيات على تسع فاءات من قوله : فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ : الأولى جوابية ، والثانية فصيحة ، والبواقي تفريعية .